الكاتب : العياشي كيمية
من المجمع عليه بين المغاربة أحزابا وجمعيات وأفرادا أن فترة ماكان يعرف ب"عهد الرصاص " قد ولى وراح ،ولن يقبل أحد الرجوع إلى سياسة تكميم الأفواه ومحاسبة الناس على نواياهم ومصادرة الرأي الآخر مهما اختلفنا معه . إلا أنه أيضا ليس من المعقول أن نتفلت من كل القوانين التي تنظم حياتنا وليس من الوطنية أن ندمركل مابناه الآباء والأجداد بجوعهم وعرقهم وبدمهم أيضا، فالوطن للجميع،ولايستطيع أحد منا أن يزايد على الآخر في حبه والرقي به وتقديره. فقد يختلف المغاربة في تحديد أسباب الإختلالات التي يعرفها وضعهم السياسي والإقتصادي والإجتماعي ،كما قد يختلفون في تحديد المدخل لإصلاحها وطرق معاعلجتها ،لكنهم جميعا متفقون على أن الحوار هو طوق النجاة والسبيل الوحيد والأوحد لتقريب وجهات النظر والخروج بالمغرب من عنق الزجاجة،وتفويت
الفرصة على الذين يسوؤهم أن يروا المغرب وقد اختار لنفسه أسلوبا متفردا في التعاطي مع قضاياه الداخلية.
ومن الحكمة في هذا الإطار نبذ كل أشكال العنف من أي طرف كان،لأن ذلك لن يخلق إلا التوتر والأزمات ،كما ينبغي القيام بإجراءات استباقية لدرء ما من شأنه أن يؤجج الصراع ويكون سببا في خلق توترات اجتماعية لا طائل من ورائها، وفي هذا السياق ينبغي على حكومة السيد بنكيران أن تجعل قطيعة مع الأساليب المخزنية البائدة ،حيث كانت "الزرواطة" هي الوسيلة الفضلى للجم أصحاب الرأي المخالف وذوي المطالب المشروعة ،كيف لا وهي حكومة استبشر بها المغاربة خيرا ،وتضم رجالا نظيفي اليد ويمتلكون من الحكمة والتبصر والخبرة وقوة الإرادة ما يمكنهم من بناء نموذج مغربي يوازي النموذج التركي أو يفوقه .
في ظل التحولات السياسية التي تعرفها المجتمعات ،خاصة التي كان هامش الحرية فيها ضعيفا ،كثيرا ما تبرز في سياق تلك التحولات جماعات وطوائف لا تعبر بالضرورة عن آمال السواد الأعظم من شعوبها، بل ولا تمتلك الآليات المطلبية الحضارية لتصريف غضبها والتعبيرعن رأيها ،وهذا ما يجعلها متفلتة من كل قيد وغيرمنضبطة لأي قانون ، فتطلق لمناصريها اليد الطولى كي تعبث بالممتلاك العامة والخاصة ،وهذا طبعا عمل مدان ولن يخدم الشعب في شيء .
كيف إذن، والحالة هذه، أن نؤسس لأسلوب حضاري في معالجة قضايانا دون اللجوء إلى الأساليب القمعية التقليدية من طرف الدولة،و عدم تبني الخيارات الثورية التدميرية والد موية في تحقيق المطالب من قبل فئات المجتمع؟
في هذا الإطار ،أعتقد أن الحوار هو المدخل الأساس لتقريب وجهات النظر ونزع فتيل التوتر،لأنه"وسيلة للتآلف والتعاون ،وبديل عن سوء الفهم والتقوقع والتعسف"،فما أحوجنا إلى حوار وطني نتناول فيه قضايانا الراهنة ،من شغل وتعليم وصحة..وديموقراطية وقضايا المرأة....من خلال مجتمع مدني ،أو من خلال مؤسسة وطنية تؤطر هذا العمل وتسهر عليه ،كما يجب أن تتحمل الأحزاب السياسية حسب مقتضيات الفصل 3 من دستور1996 ، تنظيم وتأطير المواطنين ،وذلك بتكوينهم سياسيا،وتعريفهم بالقضايا الوطنية، وإشراكهم في القرار السياسي وإعدادهم للمشاركة في الإستحقاقات، وعليها أن " تكون معبرة عن الاتجاهات والرؤى والقناعات والأفكار السائدة في المجتمع"،كما ينبغي أن تتمثل الديموقراطية فكرا وممارسة من خلال ديموقراطية داخلية ، تمكن الشباب من الإنخراط في العمل السياسي كي يتبوأ بذلك مركز القرار في الأحزاب حسب منطق الكفاءة والإستحقاق بعيدا عن الزبونية والولاءات والثروة.بهذا نضمن لهم آليات التعبير بطرق حضارية عن مطالبهم ،ونمنعهم من الوقوع في في شراك التنظيمات الراديكالية الدموية.
كما على النقابات أن تضطلع بدورها في هذا المجال ،وتحول مقراتها إلى فضاء للنقاش الجاد في القضايا الوطنية المصيرية ،وتقوم بدورها الأصيل في التأطيروالتوعية بدل الإكتفاء بالدور التعبوي من أجل ربح ملفات مطلبية مادية .
ما أحوجنا اليوم لشغيل واع بواقعه الإجتماعي والإقتصاديي وبالمنعطف الخطير الذي يجتازه بلدنا ،ويتمثل بكل إخلاص طموح بلده في الرقي والتقدم والكرامة . أما الجمعيات فللأسف قد حادت عن دورها الطبيعي في التأطير والتكوين من أجل إنتاج مواطن فعال وإيجابي ،وتحولت إلى أداة للإرتزاق تارة وآلية دعائية لبعض الأفراد والهيئات تارة أخرى.
وخلاصة القول، فإن حكومة السيد بنكيران مطالبة ،وهي قادرة على ذلك ، بفتح حوار وطني مع كل الفاعلين على الساحة الوطنية حول كل القضايا التي تشغل بال المواطن ،وأن تتوخي الحكمة وبعد النظر في كل ما يمكن أن يمس بحق المواطن في التعبير، لأن مواطن اليوم قد كسر حاجز الخوف ولن يرهبه صوت الرصاص أو ضربات "الزرواطة"،وإنما ينضبط لصوت العقل والحوار الجاد .كما على الأحزاب والنقابات والجمعيات...أن تتحمل مسؤوليتها في تأطير المواطن في الإتجاه الإيجابي ،لأن الحقيقة التي على الجميع أن يدركها في الفترة الراهنة هي إنقاذ السفينة من الغرق.


0 التعليقات:
إرسال تعليق