الحووز ( الحكوز ): تقليد متجدر في المجتمع الزروالي - التجريبية
Headlines News :

Template Information

Home » » الحووز ( الحكوز ): تقليد متجدر في المجتمع الزروالي

الحووز ( الحكوز ): تقليد متجدر في المجتمع الزروالي

Written By Unknown on السبت، 14 أبريل 2012 | 12:23 ص

إن الاحتفال بالحوز (بتشديد الواو) احتفال طقوسي، مرتبط بالدورة الطبيعية، مرتبط بالأرض من حيث كونها "ذاك المجال الحيوي الذي تمارس فيه الجماعات البشرية نشاطاتها المتعددة، إذ لا يمكن تصور وجود الأمة إلا في بقعة أرضية معينة، وأنها تمثل الجسم بالنسبة للأمة، فمثل هذه الأرض بمناخها وضغطها الجوي ومياهها وتضاريسها وطبيعة إنتاجها الزراعي أو إنتاجاتها المعدنية حدد الشعور النفسي للجماعات وأسلوب حياتها، وثيتت نوعية العيش فيها ... فإن مثل هذه الجماعات تندمج في تكوين نفسي ولغوي وطرق عيش لإيجاد تاريخ مشترك.
احتفال الحوز يقام خارج أي ضريح أو مسجد، إنه غير مرتبط بالمقدس السموي، احتفال تشكل المرأة عماده، فهي التي تقف على إعداد مراسيمه، وهي التي تعد الفطائر الشهية للأطفال حتى يشعر باستثنائية هذا اليوم.
الحوز إذن هي نهاية دورة طبيعية وبداية لأخرى. إنها حلقة من سلسلة حلزونية لا تنتهي، إنها انطلاقة فعلية للانبعاث الطبيعي حيث تبدأ الحقول في الإنبات ويعلق المزارعون آمالا كبيرة على الطبيعة التي بإمكانها أن تجعلهم يشعرون بالاطمئنان وبإمكانها أن تسبب لهم الخوف والألم.
إن هاجس فشل السنة الفلاحية سبب أساسي لذلك القلق الجماعي، ذلك الإحساس بالتوجس من عام دون محصول، إحساس رهيب شعر به الإنسان المزارع منذ القدم مما جعله يبحث عن طقوس تقربه من الطبيعة لاسترضائها، وهناك "خرافة/ أسطورة " ما زالت تحكى للأطفال الصغار بمنطقة جبالة، وما زال يرويها المسنون لحفدتهم، بطلها شخصية الحوز / حكوزة، هذه الشخصية التي لا يعرف إن كانت تنتمي لعالم الجن أو الإنس أو هي كائن يجمع بين الصفتين، لكنها عموما تتخذ صفة غولة (ogresse) أرهبت كل الأجيال السابقة، وكانت دائمة الحضور في أذهان الأطفال على الخصوص، حاضرة كنائب عن الآباء لمراقبة تصرفات الأبناء بصفة مستمرة، إنها بشكل آخر "الضمير الزاجر" لكنه مجسد في شخصية الحوز / حكوزة.
تحكي "الخرافة" على لسان إحدى المسنات من سكان قرية لعزايب التابعة لبني زروال، أنه في المساء، مساء ليلة الحوز يقوم الآباء بتوجيه تحذير لأطفالهم الصغار، مفاده أن الإكثار من الأكل غير مستحب، بل وأكثر من ذلك سيعرضهم لغضب الحوز، ولتفادي غضب الغولة ينبغي عليهم الاقتصاد الشديد في الطعام وإلا فإن بطونهم ستتعرض للشق من طرف الحوز. وفي الليل، أثناء استغراق الطفل في النوم، يأتي أحد الأبوين أو الأخ الأكبر أو الجدة أو أي فرد بالغ في الأسرة، ودون أن يفطن الصغير ليضع أحدهم علامة على بطنه بواسطة قليل من مسحوق الفحم "أكفوس". وفي الصباح يخبرونه بأنه الحوز قد شقت بطنه وملأته تبنا وحجارة ثم أعادت خياطته والدليل هو الأثر الذي تركته على بطنه، هكذا ويتم تذكيره بالتنبيه الذي سبق أن وجهوه له وما عليه منذ اللحظة إلا الحيطة والحذر وذلك بعد الإفراط في الأكل مرة ثانية وإلا فلن يدري مغبة استهتاره بهذا التحذير.
بتحليلنا لهذه الأقصوصة/ التحذير، نقف على الدور الرمزي الذي يقوم به هذا النوع من الثقافة الشفاهية المتجلي في توجيه الفرد نحو سلوك اجتماعي معين، إنها عملية مركبة ما بين الترميز للفاقة بشخصية الغولة، والترميز للتبذير بكثرة الأكل والترميز لعاقبة الإسراف ببقر البطن أي الموت المحقق، هكذا سنكتشف أن هذه الأقصوصة هي بمثابة وسيلة بيداغوجية لعبت دورها في تحسيس الأطفال بدقة المرحلة القادمة أي مرحلة ما بعد الحوز، مرحلة انتظار الأرض حتى تجود بغلالها. إننا في مجتمع فلاحي يعتمد بالأساس على مخزون الحبوب والقطاني والزيتون، مخزون استراتيجي بالنسبة لكل أسرة عليها أن تحسن تدبيره لمواجهة الشهور الممطرة، مما أكسب الإنسان الجبلي عادة الاقتصاد في تدبير المواد الغذائية وترشيد استهلاكها في انتظار موسم الحصاد وجني ثمار الأشجار.
بمنطقة بني زروال يبتدئ الاستعداد لاحتفال الحوز يومين قبل حلول رأس السنة الفلاحية حيث يقوم الصبية بالتجول في حومات (أحياء) المدشر بغية جمع الهبات والعطايا العينية والنقدية فيقصدون كل المنازل على التتالي ويقفون بشكل جماعي عند باب الدار وهم يرددون نداءات إيقاعية موزونة يستحثون عبرها أهل تلك الدار أن يجودوا بهدية (زبيب، تين جاف، فواكه، زيت، نقود ...). ومن بين تلك الشعارات/ النداءات يمكننا أن نذكر :
اهيا الدراري لا تخافوشي ** أنا معاكم قد باباكم
هذا الشعار الاستهلالي يهدف ضمنيا إلى تشجيع الأطفال على الانضمام للموكب، الذي ما أن يلتئم فيه العدد الكافي من الصبية حتى يرفعوا أصواتهم امتداحا لأهل البيت الذي يجدون أنفسهم أمامه:
باش تعيد هاد الدار ** بالحولي لشقر وقوالب السكر
وحين يعلمون بوجود رب البيت في منزله فإنهم ينادون باسمه صياحا لإيقاظ نخوته بشعار مثل:
عمي احميدو رجل مزيان ** ما يرضاشي بردنا بلاشي
أو
عمي اعليلوا ما يرضاشي يردنا بلاشي واهيا لولاد
وعند الوصول لبيت معروف بكرم أهله وسخائهم (دار كبيرة) بأنهم يرددون:
مالين الغرفة ** يعمروا القفة ** حتى للشفة
والمقصود بالغرفة غرفة المؤونة الممتلئة بالمحاصيل الفلاحية.
لكن إذا وقفت جموع هؤلاء الصبيان – الذين يتهيؤون لاحتفال الحوز- أمام منزل ولم يلب أهله النداء فإن رد فعل الأطفال المتطلعين إليه سوف يكون عبارة عن شعارات قدحية ساخرة تحط من قيمة سكان ذلك المنزل فتسمعهم يصيحون:
باش تعيد هاد الدار ** بلكراع د لكيضار
أو بشعار أقل حدة:
النجم طاح طاح * والحال صباح * وعيني حوالو * وعلى والو
في يوم الحوز تظهر على الشيوخ والكبار عموما ملامح الفرحة فيتبادلون التهاني في اجتماعات حميمية بالقرية، كما تقوم ربات البيوت بإعداد مختلف الأطعمة وأساسا طبق الحمص والشعير والفول المعروف في العديد من المناطق المغربية. كما يعطى للأطفال البيض المسلوق و"السفنج" المحشو بالسردين و "بشاق عينو" وهو حمص يبخر (يفور) ويقلى بعد ذلك. وفي الليلية، ليلة الاحتفال بالسنة الفلاحية الجديدة، يجتمع الكل حول المائدة لتناول عشاء السنة، عشاء قوامه ديك أو دجاجة ذبحت في العشية.
في الليل، بعد أن يكون الأطفال قد جمعوا عدة حزم من نبات بري يابس، يقوم كل طفل بحمل حزمة في يده ويوقدها على شكل مشعل (flambeau) ثم يطوف جميع الأطفال بالقرية جريا وهم يلهون ويمرحون. وهذا التقليد ما زال على سبيل المثال بدوار مقبل ببني مجرو.
من خلال هذا المقال حاولنا رصد مظاهر الاحتفال برأس السنةالفلاحية بمنطقة جبالة، وتبين لنا أنه احتفال مترسخ في الوجدان واللاشعور الجماعي، وبما أننا اليوم نعيش – وبامتياز- زمن الانفتاح على حضارات وثقافات الآخرين فإننا نشعر بكثير من الحيف نظرا للأسلوب الذي تعامل به عناصر ثقافتنا الموروثة، خاصة عندما نرى الأمم الأخرى ترصد لثقافاتها كل الإمكانيات المادية لضمان استمرارها وتجددها، وكمثال على ذلك نجد البلدان الغربية تقيد أضخم الاحتفالات عند رأس السنة الميلادية مستحضرة في ذلك شخصية "نويل noël" الذي نجده في المقررات الدراسية الرسمية، كما نجده حاضرا في البرامج التلفزية والأفلام... الخ، مما يبين مدى وعي الدول المتحضرة بأهمية تراثها وثقافتها.
                                                                                     المصدر : موقع جبالة 
Share this article :

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
Copyright © 2011. التجريبية - All Rights Reserved
Template Modify by Creating Website
Proudly powered by Blogger